السيد محمد بيرم الخامس التونسي
69
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
زوجها أو قريبها إلى عمل مناسبة للتعرف بالغريب سيما إذا كان لباسه على خلاف معتادهم ، وقد عينت الدولة لمصاريف تلك المواكب عدة ملايين فضلا عن مصاريف الليلة الحافلة التي أعدوها تذكارا للجمهور ، فقد روي أن مصروف الأهالي والمجلس البلدي في التنوير والتحسين والألعاب النارية تجاوز ستة عشر مليونا فرنكا ، وأن ثمن الرايات التي نشرت على طيقان الديار والطرقات تجاوز الأربعة ملايين ، وكان مركز ألعاب تلك الليلة هو بركة « أبوادي بولونيا » وقد اكترى بعضهم طاقة في الطبقة التي فوقي من الدار التي نسكنها للفرجة تلك الليلة بسبعمائة فرنك ، حيث كانت على النهج الكبير الموصل إلى محل الألعاب وكان المهندسون والعملة متهيئين لها منذ نصف شهر ، وعلقت الثريات والفوانيس على الطرقات قائمة على عيدان ومشبكة بالأشجار ، وما قرب غروب تلك الليلة إلا وانتشرت العساكر والخيالة في جميع المراكز حفظا للراحة وخشية من الأحزاب المضادين للجمهورية ، وما غربت الشمس إلا وناب عنها نور المصابيح ومنعت العجلات من السير في الطرق مطلقا وما بدت النجوم إلا وتصاعدت لها شماريخ البارود ترمي لها بباقات أزهار ألوانها المختلفة الأشكال ، وتراكم إزدحام خلق اللّه بما يذكر يوم الحشر الأكبر ودام الحال على ذلك وأصوات الموسيقى والبارود تتهادى من كل طرف إلى نحو الساعة الثالثة من بعد نصف الليل ، فرجعت العساكر الواقفون على البركة بخيلهم ورجلهم وبأيديهم فوانيس على عيدان والموسيقات تصدح بلحن « المرسيلياز » وهي قصيدة في إثارة الحمية لأهل الوطن كانوا أعلنوا بها في الثورة الكبرى سنة 1830 لطلب الحرية ، وقد كان ترجم هاته القصيدة العلامة رفاعة باشا رحمه اللّه ونظمها ودونكها بنصها : فهيا يا بني الأوطان هيا * فوقت فخاركم لكم تهيا أقيموا الراية العظمى سويا * وشنوا غارة الهيجا مليا عليكم بالسلاح أيا أهالي * ونظم صفوفكم مثل اللآلي وخوضوا في دماء أولي الوبال * فهم أعداؤكم في كل حال وجورهم غدا فيكم جليا * بنا خوضوا دماء أولي الوبال أما تصغون أصوات العساكر * كوحش قاطع البيداء كاسر وخبث طوية الفرق الفواجر * ذبيح بنيكم بظبي البواتر ولا يبقون فيكم قط حيا * عليكم إلى آخر الأبيات الثلاث فماذا تبتغي منا الجنود * وهم همج وأخلاط عبيد كذا أهل الخيانة والوغود * كذاك ملوك بغي لن يسودوا تعصبهم لنا لم يجد شيئا * عليكم إلى آخره لمن جعلوا السلاسل والقيودا * وأغلالا وأطوقا حديدا